غزة/الاستقلال:
مرّ عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، لكن الاتفاق لم ينهِ معاناة الفلسطينيين، ولم يضع حدًا للخروقات الإسرائيلية أو يفتح الطريق أمام إعادة إعمار القطاع. وبين استمرار القصف وإطلاق النار، واتساع نطاق السيطرة العسكرية، وتقييد حركة المسافرين، ونقص المساعدات والوقود والأدوية، وارتفاع الأسعار، لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا بالغ الصعوبة.
وبعد عام كان يُفترض أن يشكل بداية لمرحلة من الاستقرار والتعافي، لا تزال قطاعات واسعة من الحياة اليومية تعتمد على مساعدات غير كافية، فيما تستمر القيود على إدخال البضائع والمعدات ومواد البناء، وتتفاقم المخاطر على السكان الذين يعيش كثير منهم في خيام ومبانٍ متضررة، وسط تأخر إعادة الإعمار وغياب ضمانات تحول دون تجدد الاعتداءات.
أكثر من 5 آلاف خرق وآلاف الضحايا
وتكشف حصيلة العام حجم الفجوة بين الاتفاق والواقع الميداني؛ إذ وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة 5,147 خرقًا إسرائيليًا خلال الفترة الممتدة من 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى 29 أيلول/سبتمبر 2026، شملت إطلاق النار والقصف الجوي والمدفعي وتدمير الممتلكات والتوغلات العسكرية.
وفي أحدث حصيلة فلسطينية منشورة خلال الأسبوع الجاري، استشهد 1,471 فلسطينيًا وأُصيب 5,189 آخرون منذ بدء سريان الاتفاق، في وقت استمرت فيه الاعتداءات في مناطق متفرقة من القطاع.
وبحسب تحليل نشرته شبكة الجزيرة، تعرض القطاع لهجمات في 329 يومًا من أصل 365 يومًا منذ بدء الاتفاق، ما يعكس تواتر الاعتداءات خلال عام كان يُفترض أن يشكل بداية لمرحلة أكثر استقرارًا وأمانًا للسكان.
ولم يقتصر أثر الخروقات على الخسائر البشرية، بل امتد إلى السيطرة الميدانية وتضييق المساحة المتاحة للسكان، في ظل استمرار التوغلات والقيود على الوصول إلى مناطق واسعة من القطاع.
الخط الأصفر.. من 53% إلى نحو ثلثي مساحة القطاع
ويشكّل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» أحد أبرز العناوين الميدانية للعام الأول من الاتفاق. فقد حددت المرحلة الأولى منطقة كان من المفترض أن تبقى فيها القوات الإسرائيلية متمركزة مؤقتًا، بما يعادل نحو 53% من مساحة قطاع غزة، على أن تتراجع القوات ضمن المراحل اللاحقة من الخطة.
لكن الخط لم يبقَ عند حدوده الأولى؛ إذ أفادت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 6 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بأن نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية الفعلية اتسع إلى نحو ثلثي مساحة القطاع، فيما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن القيود على الوصول تطال نحو 65% من أراضي غزة.
ويعني ذلك أن ما يتبقى أمام السكان من مساحة متاحة للحركة وإقامة المساكن والوصول إلى الخدمات أصبح أكثر ضيقًا واكتظاظًا، لا سيما مع وجود نحو مليوني فلسطيني في القطاع، يعيش كثير منهم في مناطق ساحلية مكتظة أو في مواقع نزوح ومبانٍ متضررة.
ولم يقتصر أثر تحرك الخط الأصفر على تغيير الخرائط، بل انعكس على حياة السكان وفرص عودتهم إلى منازلهم وأراضيهم، وعلى وصول الطواقم الإنسانية إلى المناطق المتضررة. كما أدى استمرار العمليات العسكرية قرب الخط إلى تضرر الملاجئ وحدوث موجات نزوح جديدة، في وقت يفترض فيه أن يمهد وقف إطلاق النار الطريق أمام استقرار السكان وبدء الإعمار.
وهكذا، لم يتحول الخط الأصفر إلى مرحلة انتقالية نحو انسحاب أوسع، بل أصبح واقعًا ميدانيًا يضيّق الحيز المتاح للفلسطينيين، بينما لا تزال ترتيبات الانسحاب واستكمال المراحل اللاحقة من الاتفاق متعثرة.
600 شاحنة يوميًا.. كم يصل فعليًا إلى غزة؟
ويبرز ملف المساعدات والبضائع بوصفه أحد أهم الاختبارات التي أخفق الاتفاق في تحقيق نتائج كافية فيها. فقد نصت الخطة على دخول ما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا محملة بالمساعدات الإنسانية والسلع التجارية، لتلبية الاحتياجات الغذائية والصحية والخدمية لسكان القطاع.
لكن الأرقام المتاحة تكشف فجوة كبيرة بين الهدف المعلن وحجم الإمدادات التي وصلت فعليًا. فقد أوردت رويترز، استنادًا إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، أن متوسط الشاحنات التي حملت إمدادات إنسانية وتجارية إلى القطاع بلغ 227 شاحنة يوميًا خلال الفترة الممتدة من بدء وقف إطلاق النار حتى نهاية أيار/مايو 2026، أي أقل من نصف الحد الأدنى المحدد في الخطة.
أما البيانات الأحدث، فتوضح استمرار التذبذب في حركة البضائع. وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 2 تشرين الأول/أكتوبر، تسلّم القطاع الخاص 788 شاحنة تجارية خلال الفترة من 21 إلى 27 أيلول/سبتمبر، بمتوسط يقارب 112 شاحنة يوميًا من الشحنات التجارية وحدها، وبانخفاض نسبته 10% مقارنة بمتوسط الأسابيع الأربعة السابقة.
وفيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية التي تدخل عبر آليات الأمم المتحدة وشركائها، تراجعت نسبة الشاحنات التي جرى تفريغها في معبر كرم أبو سالم، مقارنة بالشاحنات المصرح بتحميلها وإرسالها، إلى 52% خلال الفترة التي يغطيها تقرير 25 أيلول/سبتمبر، بعدما كانت 86% في نهاية آب/أغسطس. ثم ارتفعت إلى 88% في الفترة التي غطاها التقرير الصادر في 2 تشرين الأول/أكتوبر، في مؤشر على تذبذب حركة الإمدادات والتأخير الذي يرافقها.
وتوضح هذه الأرقام اختلاف المؤشرات التي تُقاس بها حركة الشاحنات؛ فمتوسط 227 شاحنة يوميًا يشمل الإمدادات الإنسانية والتجارية خلال فترة محددة، بينما يتعلق رقم 788 شاحنة بالشحنات التجارية التي تسلّمها القطاع الخاص في أسبوع واحد، أما نسب التفريغ الأممية فتقيس الشاحنات التي جرى تفريغها من بين الشحنات المصرح بها. ومع ذلك، تتفق المؤشرات على أن تدفق البضائع لا يزال يواجه قيودًا وتقلبات لا تتناسب مع حجم الاحتياجات المتراكمة.
تأخير الشحنات.. خطر تلف البضائع قبل وصولها
ولا تقتصر المشكلة على عدد الشاحنات، بل تشمل أيضًا تأخير الموافقات على الشحنات ورفض بعضها وإعادتها، إلى جانب اضطرار البضائع إلى الانتظار لفترات طويلة قبل استكمال إجراءات إدخالها. وقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المسار المصري شهد معدلات مرتفعة من إعادة الشاحنات ورفضها خلال أيلول/سبتمبر، وأن 72% من الشاحنات المعادة خلال إحدى الفترات لم يُذكر سبب لإعادتها، بحسب البيانات المتاحة.
ويثير تأخير الشحنات مخاوف إضافية بشأن البضائع سريعة التلف أو الحساسة لدرجات الحرارة، مثل بعض المواد الغذائية والأدوية التي تحتاج إلى ظروف تخزين ونقل خاصة؛ فبقاء هذه الشحنات فترات طويلة في ظروف غير ملائمة قد يعرضها للتلف أو يقلل من جودتها، حتى قبل وصولها إلى المستهلكين. ولا تتوفر حصيلة منشورة مستقلة تحدد حجم البضائع التي تلفت بسبب حرارة الشمس وحدها، لكن اجتماع مجموعة اللوجستيات في الأول من تشرين الأول/أكتوبر أشار إلى حالات تلف في بضائع وطبالي شحن، ودعا إلى تحسين التعبئة والتعامل مع الشحنات للحد من الأضرار.
كما يؤدي تأخير دخول البضائع إلى ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والتوريد، ويزيد صعوبة توفير المواد الأساسية في الوقت المناسب. وتصبح هذه المشكلة أكثر خطورة عندما تكون الشحنات مخصصة للمستشفيات أو محطات المياه أو برامج الغذاء والإيواء، حيث يمكن أن يؤدي وصول الإمدادات متأخرة أو بكميات غير كافية إلى تعطيل خدمات يعتمد عليها السكان يوميًا.
المرضى ينتظرون العلاج.. والمسافرون عالقون
ويبرز ملف المرضى والجرحى من أكثر الملفات إلحاحًا بعد عام على الاتفاق. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أن نحو 21 ألف مريض بحاجة إلى الإجلاء الطبي وتلقي العلاج خارج القطاع، بينهم آلاف الأطفال ومرضى الأورام، إضافة إلى حالات مهددة للحياة تحتاج إلى إجلاء عاجل.
وأفادت الوزارة بأن 2,027 مريضًا توفوا أثناء انتظار الإجلاء الطبي، في ظل محدودية فرص السفر ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع قدرة المنظومة الصحية على تقديم العلاج التخصصي.
ولا تتوقف الأزمة عند المرضى، بل تمتد إلى الفلسطينيين الموجودين خارج غزة والراغبين في العودة إلى عائلاتهم. ووفق تقديرات فلسطينية نقلتها رويترز في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، لا يزال أكثر من 100 ألف فلسطيني غادروا القطاع خلال الحرب خارج غزة، فيما لم يتمكن سوى نحو 7 آلاف منهم من العودة حتى بداية الشهر الجاري.
وتعكس هذه الأرقام حجم القيود على حركة الدخول والخروج، وما تسببه من معاناة للمرضى والجرحى، وللعائلات التي تفرقت خلال الحرب، وللفلسطينيين الذين ينتظرون فرصة العودة إلى منازلهم. ومع استمرار محدودية الحركة عبر المعابر، لا يزال السفر للعلاج أو لمّ شمل العائلات مرتبطًا بإجراءات معقدة وفترات انتظار طويلة.
الوقود وزيوت المحركات.. أزمة تهدد المستشفيات والمياه
ومن بين الملفات التي لا تحظى بما يكفي من الاهتمام، القيود المفروضة على إدخال زيوت المحركات ومواد التشحيم وقطع الغيار والمعدات الكهربائية والميكانيكية، رغم اعتماد قطاعات حيوية في غزة على هذه المواد لاستمرار عملها.
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن نقص زيوت التشحيم يتسبب في توقف مولدات كهربائية، بما يؤثر في تقديم الخدمات الصحية. كما أدى نقص قطع الغيار والمعدات إلى تراجع إنتاج محطتي تحلية مياه البحر في جنوب القطاع إلى مستويات متدنية، ما يثير مخاوف على إمدادات مياه الشرب لنحو 500 ألف شخص في دير البلح وخان يونس.
ولا تقف التداعيات عند المستشفيات ومحطات التحلية؛ إذ تعتمد سيارات الإسعاف ومركبات توزيع الغذاء والمياه وآليات جمع النفايات على الوقود والصيانة. وقد أدى نقص الزيوت وقطع الغيار إلى تعطل مركبات وآليات، واضطرار الجهات العاملة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على عربات تجرها الحمير وشاحنات الأمم المتحدة في نقل النفايات.
وتوضح هذه الأزمة أن منع أو تأخير إدخال مواد التشغيل والصيانة لا يؤثر فقط في حركة المركبات، بل يهدد سلسلة مترابطة من الخدمات تشمل تشغيل مولدات المستشفيات وحفظ الأدوية، ونقل المرضى والمساعدات، وتوفير المياه، والحفاظ على الصحة العامة.
بضائع مقيدة وأسعار تثقل كاهل المواطنين
وفي الأسواق، يواجه سكان غزة ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف المعيشة، نتيجة محدودية المعروض واضطراب الإمدادات التجارية وتراجع القدرة الشرائية. وأظهرت بيانات رصد الأسواق التي أوردها مكتب الأمم المتحدة أن متوسط الأسعار في القطاع ظل خلال أيلول/سبتمبر أعلى بنحو 204% من مستويات ما قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كما يتأثر السوق بالقيود المفروضة على إدخال فئات من السلع المدنية والتقنية التي تصنّفها إسرائيل ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، بما يشمل بعض المعدات وقطع الغيار والأجهزة. وكشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس عن وصول أجهزة آيفون، إلى جانب سلع أخرى، عبر قنوات التهريب في ظل القيود على البضائع التجارية وصعوبة الحصول على الموافقات اللازمة لبعض الشحنات.
وتؤدي هذه الظروف إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام المستهلكين، ورفع كلفة الحصول على بعض السلع، فيما يدفع المواطن الثمن من قدرته الشرائية، سواء من خلال الأسعار المرتفعة أو صعوبة العثور على احتياجاته. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بأجهزة ضرورية للاتصال والعمل والدراسة، أو بقطع غيار يحتاجها أصحاب المركبات والمرافق الحيوية لاستمرار عملهم.
خيام تغرق وأخرى تقتلعها الرياح.. الشتاء يفاقم الأزمة
ومع اقتراب موسم الأمطار، تتجدد المخاوف على مئات آلاف الأسر التي تعيش في خيام وملاجئ مؤقتة لا توفر الحماية الكافية من البرد والمياه والرياح. فالخيام المهترئة، ورداءة تصريف المياه، وتضرر شبكات الصرف الصحي، والازدحام في مواقع النزوح، تجعل الأمطار خطرًا إضافيًا على حياة السكان.
وتشير تقييمات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.8 مليون شخص يعيشون في مواقع نزوح، يقع معظمها في مناطق معرضة للفيضانات، فيما تتطلب أكثر من نصف الخيام والملاجئ المؤقتة في القطاع الاستبدال بسبب سوء حالتها. كما أن 217 موقعًا من أصل أكثر من 400 موقع نزوح جرى تقييمها صُنّفت ضمن مستويات متوسطة أو مرتفعة الخطورة من الفيضانات، ويقطنها نحو 235 ألف شخص.
وفي هذه المواقع، يمكن أن تتجمع مياه الأمطار داخل الخيام أو حولها، فتتلف الفرش والأغطية والمقتنيات القليلة التي تملكها الأسر، بينما تتعرض الخيام الضعيفة للتمزق أو التطاير بفعل الرياح. وتتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون ظرفًا موسميًا عاديًا، إلى تهديد مباشر لأسر لا تملك مساكن بديلة أو القدرة على شراء خيام جديدة أو إصلاح الملاجئ المتضررة.
وحذّرت المنظمة الدولية للهجرة، في تقرير نشرته رويترز في 9 تشرين الأول/أكتوبر، من أن قرابة مليوني شخص بحاجة إلى دعم في مجال المأوى قبل الشتاء، فيما لم تتم تلبية سوى نحو 17% من الاحتياجات المقدرة لمستلزمات الإيواء الشتوي. كما أشارت إلى أن السلطات الإسرائيلية منعت إدخال 8,600 عدة طوارئ للإيواء، تتضمن أخشابًا وأغطية ومستلزمات أساسية، بحجة الاستخدام المزدوج.
وتزيد هذه القيود من صعوبة استبدال الخيام المهترئة وتعزيزها وتجهيزها لمواجهة الأمطار والرياح، بينما لا تزال مواد الإيواء ومستلزمات تثبيت الخيام وتصريف المياه أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.
ولا تتعلق المخاطر بالخيام وحدها، إذ يضطر عشرات الآلاف إلى البقاء في مبانٍ متضررة وآيلة للسقوط، لعدم توافر بدائل سكنية. وتقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 4 آلاف مبنى يحتاج إلى هدم كلي أو جزئي، فيما لا يزال أكثر من 2,300 مبنى مأهولًا، ويعيش فيها نحو 44 ألف شخص.
وفي 16 أيلول/سبتمبر الماضي، انهارت بناية «السعادة» السكنية المكوّنة من ستة طوابق في منطقة الصناعة بمدينة غزة، بعد أن تضررت بنيتها جراء قصف إسرائيلي سابق، ما أدى إلى استشهاد 21 فلسطينيًا، بينهم 12 طفلًا وخمس نساء، وإصابة 45 آخرين. وكانت البناية تؤوي عائلات نازحة، اضطرت إلى الإقامة فيها رغم الأضرار والتصدعات التي لحقت بها، في ظل انعدام البدائل السكنية الآمنة. وأعادت الحادثة تسليط الضوء على المخاطر التي تهدد آلاف الفلسطينيين الذين يضطرون إلى السكن في مبانٍ متضررة، وسط نقص المعدات والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض والتعامل مع المنشآت الخطرة.
وتزداد خطورة هذه المباني مع الأمطار والرياح، التي قد تزيد الأضرار في المنشآت المتصدعة، بينما يعرقل نقص الآليات الثقيلة ومواد البناء والوقود وقطع الغيار إزالة الركام والتعامل مع الأبنية الخطرة. وهكذا يجد النازحون أنفسهم أمام خيارين قاسيين: خيام لا تحميهم من الطقس، أو مبانٍ متضررة يخشون انهيارها.
إعمار مؤجل واحتياجات بمليارات الدولارات
وبعد عام على الاتفاق، لا تزال إعادة إعمار غزة بعيدة عن الانطلاق الواسع، رغم حجم الدمار الذي طال المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والطرق والمنشآت الاقتصادية.
وقدّر تقييم مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية ودعم التعافي الاقتصادي.
لكن هذه العملية لا تزال تصطدم بقيود إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة، واستمرار عدم الاستقرار الميداني، ونقص التمويل، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من السكان تعيش في الخيام أو في مساكن متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.
وبين الخروقات المتواصلة وتوسع السيطرة الميدانية، والفجوة بين عدد الشاحنات المفترض دخولها والإمدادات التي تصل فعليًا، وتقييد حركة المرضى والمسافرين، ونقص الوقود وقطع الغيار، وارتفاع الأسعار، ومخاطر المباني الآيلة للسقوط وغرق الخيام مع الأمطار، تبدو حصيلة العام بعيدة عن الآمال التي رافقت وقف إطلاق النار.
فالاتفاق الذي كان يُفترض أن يمهد لمرحلة من الأمان والتعافي لم يتحول حتى الآن إلى واقع يضمن الحماية للسكان أو يتيح لهم العودة إلى منازلهم واستعادة مقومات حياتهم. ويبقى وقف الاعتداءات فعليًا، وتوسيع مساحة الحركة الآمنة، وفتح المعابر بصورة كافية ومنتظمة، وتأمين احتياجات القطاع الصحي والخدمات الأساسية، وتهيئة ظروف إيواء آمنة قبل الشتاء، وبدء إعادة إعمار حقيقية، شروطًا أساسية لإنهاء حالة الطوارئ الممتدة في غزة.


التعليقات : 0